ذو الرشاد: حضرت خطابا للمكاشفة بين صدام حسين وحافظ الأسد في إحدى القمم العربية

كنت الصحفي الوحيد في القاعة المغلقة لاجتماع القمة
لحسن والنيعام

في جلسات حوار مطولة، هي على شكل اعترافات، تحدث الزميل محمد ذو الرشاد، وهو من أبرز الإعلاميين المغاربة، الذين وضعوا اللبنات الأولى في العمل المهني، في حقل السمعي البصري،

عن معارك خاضها رفقة زملاء له آخرين، من أجل إصلاح الأوضاع داخل التلفزيون المغربي. وتطرق لتفاصيل ملموسة لتدخل وزارة الداخلية في توجيه التلفزيون المغربي. وقارن بين ماضي القناة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وحاضرها. وقدم حكايات أخرى عن تجارب له في أمريكا وفي منطقة الخليج، قبل أن يعود مجددا، في اعترافاته، ليتحدث عن القناة الأولى، وهو الذي كان من نجومها، في وقت من الأوقات، يشرف على نشراتها الإخبارية ويقدمها في بعض الأحيان, ويغطي ويواكب أنشطة الملك الراحل الحسن الثاني، سواء داخل أو خارج المغرب. 
- من إذاعي إلى مراسل في القصر الملكي.. كيف عشت هذا الانتقال؟ وكيف تعاملت مع ملفاته الحساسة؟
< لسبب من الأسباب، عندما تعمل لفترة في الإذاعة والتلفزيون وتحتك مع العاملين فيهما، فأنت تصبح على بيِّنة تامة مما يمكن قوله أو كتابته، وما لا يمكن بتاتا الاقتراب منه. وقد كنت ضمن ذلك الجيل، وكانت المسألة بالنسبة إلينا كتمرين في الأسلوب، كما يقول الفرنسيون، يعني أنها مسألة تتعلق بأسلوب منمَّق خالٍ تماما من المحتوى، لأنه عندما تطلب من الصحفي أن يعد تقريرا وأمامه كل تلك الخطوط الحمراء، فإنه يلجأ إلى الأسلوب، وهذا ما زال موجودا إلى حد الآن في الإذاعة والتلفزيون، وحتى في الصحافة المكتوبة.
- الغريب في المسألة هو أنك كنت غير مقتنع بهذا العمل، ومع ذلك كنت تقوم به؟
< مكره أخوك لا بطل. لم تكن لدينا خيارات. وهذا لا يعني أنه لم يكن لدينا طموح. وهذا كان من الأسباب الرئيسية التي دفعتني لترك العمل في الإذاعة والتلفزيون في المغرب. لا أخفيك أنها كانت مرحلة صعبة جدا. كنت أحب أن أغطي أخبار الملك المرحوم الحسن الثاني لأنه كان بالفعل ملكا عبقريا. وقد أثراني التواجد في محيطه وما شاهدناه من تجارب جميلة من خلال مواكبتنا لأنشطته. وأذكر أن مؤتمر القمة العربية سنة 1982، الذي حضره جميع القادة العرب، كان بمثابة فرصة مهنية لا تعوض، لأنني كنت الإعلاميَّ الوحيد الموجودَ داخل قاعة الاجتماعات المغلَقة بين القادة العرب.. وشاهدت كيف كان المرحوم الحسن الثاني يحاول أن يُلطِّف الأجواء المشحونة بين الدول العربية، وعلى رأسها العداوة الصارخة التي كانت بين صدام حسين وحافظ الأسد، وشاهدت واستمعت إلى
 محاضرة ألقاها صدام حسين، في محاولة للمكاشفة مع حافظ الأسد حول الخلافات الحدودية بين البلدين، والخلافات العقائدية بين حزبي البعث العراقي والسوري. وكان اقتراح الملك الحسن الثاني هو المكاشفة. لكنْ، في ذلك اليوم، أدركت أن حافظ الأسد كان من فصيل آخر... بنفس النظرة ودون أن يتحرك لا يمينا ولا شمالا، وبدون ورقة، ولمدة ساعة، وهو يسرد الأحداث، بالتواريخ والوقائع وأسماء الأماكن، كأن الرجل كان يقرأ نصا مكتوبا من خلال جهاز قراءة، والحال أنه كان يتحدث فقط بناء على ذاكرته القوية جدا. ووقفت على كثير من الأشياء، بسبب حضوري، لسبب تقني محض لا داعي لذكره الآن، كإعلامي وحيد في تلك الجلسة التاريخية. وبعدها، تمت عملية المصالحة بين كل الفرقاء، وكان ذلك هو سبب نجاح القمة في الوصول إلى البيان المعروف بـ«إعلان فاس»، والذي توجه به الملك الراحل الحسن الثاني على رأس الوفد السباعي لمقابلة الرئيس ريغن. وكنت ضمن الوفد الإعلامي. ولم أر علامات الحزن على الراحل الحسن الثاني، كما رأيتها عليه عندما أنهى زيارته لواشنطن وقابل الرئيس ريغن، للتباحث حول الورقة العربية. فقد كانت هناك ورقة أمريكية مضادة لا علاقة لها بما يتحدث عنه العرب. وحتى خلال الزيارتين اللتين تليتاها إلى بلجيكا وإلى فرنسا، كانت علامات الحزن بادية على مُحَيَّا الراحل الحسن الثاني، لأنه أصيب بخيبة أمل شديدة، بعدما بذل جهدا كبيرا للوصول إلى وثيقة تاريخية، لكنه لم يجد الآذان الصاغية في أمريكا وأوربا.
- بكيتَ ذات مرة وأنت تغطي زيارة ملكية قلعة مكونة؟
< نعم، كانت زيارة ملكية قام بها الراحل الحسن الثاني إلى «قصر السوق» آنذاك، والتي أطلق عليها في ذلك التاريخ (1982) اسم الراشدية وما تزال تحمل هذا الاسم. ومن جملة الأنشطة الملكية آنذاك أداء صلاة الجمعة في أكبر مسجد موجود في قلعة مكونة. فأهل قلعة مكونة أناس طيبون جدا ومسالمون وعفويتهم تلمسها باليد.. قبل وصول الموكب الملكي، بدأ يتوافد العديد من المواطنين إلى المسجد، وما لاحظته هو أنه في انتظار وصول الموكب الملكي، كان هناك عدد كبير من المواطنين البسطاء الذين تم منعهم من دخول المسجد، بسبب هندامهم. كان المسؤولون عن البرتوكول وفي الأمن، آنذاك, يعتقدون أنه لا يمكن السماح لهم بالصلاة خلف الملك وهم بتلك الملابس!... تأثرتُ كثيرا، وهي من الحالات النادرة التي ما تزال عالقة بذهني. بكيت طويلا، بعد أن اختليت إلى نفسي في مقصورة الوحَدة الخاصة بالنقل التلفزيوني.
بكيت أشد ما يكون البكاء على ما شاهدته من تعسف ضد هؤلاء البسطاء. وأعتقد أن الملك نفسَه لم يكن يعلم بما يجري، ولا أعتقد أنه كان سيسمح بمثل ذلك التصرف.. وأتذكر أنني لما وصل الموكب، كنت أقوم بالتعليق على ذلك الحدث، وكانت نبرات صوتي تفضح تأثري العميقَ بذلك المشهد المؤلم...